الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
71
مناهل العرفان في علوم القرآن
فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا . قال : هلكت وأهلكت ، يريد أنه عرض نفسه وعرض الناس للهلاك ، ما دام أنه لا يعرف الناسخ من المنسوخ . لهذه الوجوه الخمسة التي بسطناها ، يقتضينا الواجب أن نعنى بهذا المبحث ، وأن نسير فيه بقدر على حذر ، متوسعين فيما ينبغي التوسع فيه ، مقتصدين فيما وراء ذلك . وحسبنا اللّه وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى . ما هو النسخ ؟ النسخ في اللغة : يطلق النسخ في لغة العرب على معنيين : ( أحدهما ) : إزالة الشيء وإعدامه . ومنه قول اللّه تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ . فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ » . ومنه قولهم نسخت الشمس الظل ، ونسخ الشيب ، الشباب ومنه تناسخ القرون والأزمان . ( والآخر ) نقل الشيء وتحويله مع بقائه في نفسه . وفيه يقول السجستاني من أئمة اللغة : « والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى . ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم ، وتناسخ الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره ، عند القائلين بذلك . ومنه نسخ الكتاب لما فيه من مشابهة النقل . وإليه الإشارة بقوله تعالى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف ، ومن الصحف إلى غيرها » اه . وقد اختلف العلماء بعد ذلك في تعيين المعنى الذي وضع له لفظ النسخ : فقيل إن لفظ النسخ وضع لكل من المعنيين وضعا أوليا . وعلى هذا يكون مشتركا لفظيا ، وهو الظاهر من تبادر كلا المعنيين بنسبة واحدة عند إطلاق لفظ النسخ . وقيل إنه وضع للمعنى الأول